محمد بن جرير الطبري
186
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عطف على غير شكله لما كان في وَلا تَقْرَبا حرف عامل فيه ، ولا يصلح إعادته في " فتكونا " فنصب على ما قد بينت في أول هذه المسألة . وأما تأويل قوله : فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فإنه يعني به فتكونا من المتعدين إلى غير ما أذن لهم وأبيح لهم فيه . وإنما عنى بذلك أنكما إن قربتما هذه الشجرة كنتما على منهاج من تعدى حدودي وعصى أمري واستحل محارمي ؛ لأَن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين . وأصل الظلم في كلام العرب وضع الشيء في غير موضعه ؛ ومنه قول نابغة بني ذبيان : إلا الأَواري لأَياما أبينها * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد فجعل الأَرض مظلومة ، لأَن الذي حفر فيها النوى حفر في غير موضع الحفر ، فجعلها مظلومة لوضع الحفرة منها في غير موضعها . ومن ذلك قول ابن قميئة في صفة غيث : ظلم البطاح بها انهلال حريصة * فصفا النطاف له بعيد المقلع وظلمه إياه : مجيئه في غير أوانه ، وانصبابه في غير مصبه . ومنه : ظلم الرجل جزوره ، وهو نحره إياه لغير علة ؛ وذلك عند العرب : وضع النحر في غير موضعه . وقد يتفرع الظلم في معان يطول بإحصائها الكتاب ، وسنبينها في أماكنها إذا أتينا عليها إن شاء الله تعالى وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشيء في غير موضعه . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها قال أبو جعفر : اختلف القراء في قراءة ذلك فقرأته عامتهم : فَأَزَلَّهُمَا بتشديد اللام ، بمعنى استزلهما ؛ من قولك : زل الرجل في دينه : إذا هفا فيه وأخطأ فأتى ما ليس له إتيانه فيه ، وأزله غيره : إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه . ولذلك أضاف الله تعالى ذكره إلى إبليس خروج آدم وزوجته من الجنة فقال : فَأَخْرَجَهُما يعني إبليس مِمَّا كانا فِيهِ لأَنه كان الذي سبب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة . وقرأه آخرون : " فأزالهما " ، بمعنى إزالة الشيء عن الشيء ، وذلك تنحيته عنه . وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله فَأَزَلَّهُمَا ما : حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : قال : قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ قال : أغواهما . وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ : فَأَزَلَّهُمَا لأَن الله جل ثناؤه قد أخبر في الحرف الذي يتلوه بأن إبليس أخرجهما مما كانا فيه ، وذلك هو معنى قوله فأزالهما ، فلا وجه إذ كان معنى الإِزالة معنى التنحية والإِخراج أن يقال : " فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه " ، فيكون كقوله : " فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مما كانا فيه " ، ولكن المعنى المفهوم أن يقال : فاستزلهما إبليس عن طاعة الله ، كما قال جل ثناؤه : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ وقرأت به القراء ، فأخرجهما باستزلاله إياهما من الجنة . فإن قال لنا قائل : وكيف كان استزلال إبليس آدم وزوجته حتى أضيف إليه إخراجهما من الجنة ؟ قيل : قد قالت العلماء في ذلك أقوالا سنذكر بعضها فحكي عن وهب بن منبه في ذلك ما حدثنا به الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مهرب ، قال : سمعت وهب بن منبه يقول : لما أسكن الله آدم وذريته ، أو زوجته ، من أبي جعفر ، وهو في أصل كتابه : وذريته ونهاه عن الشجرة ، وكانت شجرة غصونها متشعب بضعها في بعض وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم ، وهي الثمرة